أفلوطين

223

أفلوطين عند العرب ( أثولوجيا )

ولا يدرك ذاته ؛ ولما أمكنها أن تعلم المبدأ الأول ولا أن تدرك من الجسم ما ليس بجسم ، أعنى الإنسان الكلى والحيوان الكلى . وهذه الكليات والمدركات العقلية لا تنقسم . وكل ما يحلّ الجسم فإنه ينقسم ، إذ كل جسم منقسم ، على ما تبيّن . [ 165 ] فلو كانت النفس جرما وهي تدرك ما انقسم ، لزم أن ينقسم ما لا ينقسم ، وكلاهما محال . والنفس بجملتها تدرك الأمور العقلية بجملتها وتنصبغ بها . فإن علمت جرما : فكيف تداخل الأجرام ؟ وإن علمت « 1 » جوهرا مجردا « 2 » فكيف تسرى عين الجسم في الجسم المتحرك ذي الجهات والأبعاد ؟ وكيف يتحيّز ما لا يتحيّز في متحرك ؟ وإن علمت بعض أجزائها ، كانت الأجزاء الباقية جاهلة ووجودها عبثا . ولو كانت النفس جرما لم يكن البدن كله حسيّا لأن الجرم لا يداخل الجرم إذ كل واحد منهما في حيّز خاص . وما سبب إدراك النفس للعلم بالحجر « 3 » وكلاهما جرم ؟ فإن كان ذلك للطافتها فالنار ألطف منهما . وينبغي أن يكون الحجر أقل علما ولا تكون عديمة العلم . ونقول : إنّ من أراد أن يحسّ نوعا من المحسوسات بأن يبصر أو يسمع أو غير ذلك إحساسا مستقصى فرّغ قوّته إلى تلك الناحية وأعرض عن سائر حواسّه ورفضها ، ثم صوّب جملته إلى تلك الجهة ، فحينئذ يشكّ أن يدرك إدراكا صوابا . ومن أراد التفكر والروية في أمر ما من علم الحس فإنه يعرض عن الحواس جملة ويهجرها رأسا حتى إنه ربما مرّ عدوّه أو صديقه ولم يشعر به ، وربما حضرته أصوات هائلة ولا يسمعها ، ويخاطب فلا يعى خطابا ولا يجيب جوابا لأنه غائب عن حواسّه وداخل « 4 » في ذاته . ولا يزال كذلك حتى يقضى نظره بما كان تروّى فيه . فحينئذ يحضر وبعيد حواسّه إلى استعماله . فلذلك من أراد أن يدرك النفس والعقل والآنية الأولى ، فينبغي أن ينكمش إلى ذاته ويهجر عالم الحس ويغيب عنه بقدر إمكانه ويرفض الحواس ويستعمل القوى الباطنة ، فحينئذ يبصر من داخل إبصارا حقيقيا بنظر قوى نور مضىء ، ويمتد نظره الباطن أضعاف ما كان يمتد بصره الظاهر ويرى السماوات والأرض وما فيها ، ويشاهد حركات أهلها وحسن شمائلهم ولباقة حركتهم وتناسبها

--> ( 1 ) ص : فإن . ( 2 ) ص : مجردة . ( 3 ) ص : الحجر . ( 4 ) ص : دخل - ويصح أيضا .